خليل الصفدي

129

أعيان العصر وأعوان النصر

المصرية ، ولم ألق أحدا أكثر سماعا منه لكتب الأدب ، وانفرد بسماع « صحاح » الجوهري ، وكان كثير العبادة والمروءة ، والترحّم على من يعرفه من أصحابه ، لا يكاد يأكل وحده ، ينهى عن الخوض في العقائد ، وله ترداد إلى من ينتمي إلى أهل الخير ، ولي التدريس بجامع ابن طولون وبالقبة المنصورية ، وله تصدير في الجامع الأقمر وتصادير بمصر ، ولم يصنّف شيئا إلا ما وجدناه من إملائه على الأمير سنان الدين الرومي شرحا لكتاب « المقرب » لابن عصفور ، وذلك من أول الكتاب إلى باب الوقف أو نحوه . قال : وكنت وإياه نمشي بين القصرين ، فعبر علينا صبي يدعى بجمال ، وكان مصارعا ، فقال الشيخ بهاء الدين : لينظم كل منّا في هذا المصارع ، ونظم الشيخ بهاء الدين : ( البسيط ) مصارع تصرع الآساد شمرته * تيها فكل مليح دونه همج لمّا غدا راجحا في الحسن قلت لهم * عن حسنه حدّثوا عنه ، ولا حرج قال أثير الدين : ونظمت أنا : ( السريع ) سباني جمال من مليح مصارع * عليه دليل للملاحة ، واضح لئن عزّ منه المثل فالكلّ دونه * وإن خفّ منه الخصر فالرّدف راجح قال : وسمع الشيخ شهاب الدين العزازي نظمنا ، فنظم فيه ، وأنشدنيه : ( السريع ) هل حكم ينصفني في هوى * مصارع يصرع أسد الشّرى أباح قتلي في الهوى عامدا * وقال : كم لي عاشق في الورى رميته في أسر حبّي ومن * أجفان عينيه أخذت الكرى قلت : أما قول الشيخ بهاء الدين - رحمه اللّه تعالى - فإنه منحط ، وما أتى فيه من مصطلح القوم إلا بلفظة « الراجح » لا غير ، وأما قول شيخنا أثير الدين فإنه غاية ؛ لأنه أتى فيه بلفظ « المثل » ، و « الدون » ، و « الراجح » ، وأما قول الشيخ شهاب الدين العزازي فبين بين ، لم ينحط ولم يرتفع ؛ لأنه أتى فيه بلفظة « حكى عليه » ، و « الإباحة » ، و « الرمي » ، و « أخذ الكرى » في أربعة أبيات ، وفيها عيب ، وهو التضمين ، وهو تعلّق الثالث بالرابع ، وقوله « الكرى » أخطأ فيه ؛ لأن الكرى بمعنى النوم - بفتح الكاف - ، والكرى بمعنى الأجرة - بكسر الكاف - فتنافيا ، وقد أشبعت القول في هذا في كتابي « فض الختام عن التورية والاستخدام » . وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين قال : أنشدني الشيخ بهاء الدين لنفسه يخاطب الشيخ رضي الدين الشاطبي ، وقد كلّفه أن يشتري له قطرا : ( الخفيف )